قال موقع "واللاه" العبري إن مصر في عهد السيسي تعيش وضعاً متناقضًا: فهي ضعيفة اقتصاديًا، لكنها لا تزال تمتلك أصولاً استراتيجية يصعب تجاهلها، مضيفًا: لم تعد القوة العربية الرائدة التي كانت عليها، ولا يمكنها أن تفترض ضمان مكانتها الإقليمية.
وأشار إلى أن غزة تلامس حدودها مباشرة، لكن إسرائيل والولايات المتحدة وقطر والإمارات تسعى أيضًا إلى التأثير في المشهد العالمي. ولا تزال قناة السويس تمنحها أهمية عالمية، لكن طرق التجارة البديلة والممرات الإقليمية تهدد بتقويضها.
تداعيات حرب إيران على الاقتصاد المصري
ولفت التقرير إلى تداعيات الحرب مع إيران التي هزت الاقتصاد المصري عبر قطاعات الطاقة والتجارة والبحر الأحمر، لكن القاهرة ليست هي من يملي قواعد اللعبة على طهران. لذلك، فإن التحدي المصري اليوم ليس إثبات أنه قوة إقليمية، بل منع حدوث وضع يتحمل فيه تكاليف الأزمات- دون أن يكون شريكًا أساسيًا في صياغة الحلول.
وشدد في هذا الإطار على أهمية زيارة الرئيس الفرنسي مانويل ماكرون إلى مصر قبل أيام قليلة مهمة لمصر، إذ أتاحت للسيسي عرض قائمة مطالبه على أوروبا: دعم موقفها الرافض لتهجير الفلسطينيين إلى سيناء، ودعم دورها كوسيط في غزة، وتوفير الاستثمارات والقروض للاقتصاد المصري، والمساعدة في حماية البحر الأحمر وقناة السويس.
وبحسب التقرير، لا تكتفي مصر بالاعتراف الرمزي بمكانتها، بل تسعى إلى تحويل موقعها الجغرافي إلى رصيد حقيقي. والرسالة الموجهة إلى القاهرة - بل ومن باريس إلى بروكسل - واضحة: إذا أرادت أوروبا أن تكون مصر حصنًا منيعًا ضد اللاجئين والفوضى في غزة والإضرار بالتجارة العالمية، فعليها أن تدعمها اقتصاديًا وسياسيًا.
وفيما يتعلق بالحرب مع إيران، ذكر أن مصر تسعى بالدرجة الأولى إلى إنهائها سريعًا. فهي لا تتصرف بدافع التعاطف مع طهران، ولا تتجاهل تهديدات إيران للخليج. وعند الضرورة، تدين إيران حفاظًا على علاقاتها مع السعودية والإمارات وبقية دول الخليج. لكن القاهرة لا ترغب في أن تصبح جزءًا من جبهة عسكرية ضد إيران، لذا فهي تنضم إلى التحركات الدبلوماسية، إلى جانب دول مثل باكستان وتركيا، التي تدعو إلى وقف إطلاق النار وخفض التصعيد.
وعزا السبب إلى أنه بالنسبة لمصر، الحرب لا تدور "هناك"، بل تُلحق الضرر بها هنا، في قناة السويس، والسياحة، وأسعار الطاقة، وتدفقات الاستثمار، وإمدادات الغاز.
ولفت في هذا الإطار إلى خروج نحو 10 مليارات دولار من رؤوس الأموال الأجنبية قصيرة الأجل من مصر منذ بدء الحرب. بعبارة أخرى، لا يتعلق الأمر فقط بتوازن القوى بين إيران وإسرائيل والخليج، بل هو تهديد حقيقي للاستقرار الاقتصادي الداخلي لمصر، كما يقول التقرير.
من هنا، فسر الموقف المصري بعدم الانضمام إلى الحرب، ومحاولة تقصير أمدها. إذ انضمت مصر إلى الدعوات لوقف إطلاق النار، وسعت إلى ترسيخ مكانتها كعامل كبح. وفي الوقت نفسه، سعت إلى تأكيد نفوذها في مواجهة أوروبا والخليج، لتُظهر أنه بدونها يصعب تحقيق الاستقرار في غزة والبحر الأحمر والسويس، وفي الوقت نفسه تسعى إلى ترجمة هذه الرسالة إلى دعم سياسي واستثمارات ومساعدات اقتصادية.
الخوف من فقدان السيطرة
ووصف التقرير القضية الفلسطينية بأنها تُشكّل أيضًا جوهر السياسة المصرية، لكن مصر لا تتصرف هنا بدافع القوة فحسب، بل بدافع الخوف من فقدان السيطرة. لا تنظر القاهرة إلى غزة من منظور إقامة دولة فلسطينية، بل من منظور الحدود المصرية والسيطرة على سيناء.
فمن وجهة نظرها، تُعدّ غزة منطقةً يُمكن أن تُصدّر اللاجئين والأسلحة والتهريب والإسلام السياسي وعدم الاستقرار. لذا، فإنّ الخط الأحمر المصري الأول هو منع النزوح إلى سيناء.
ويُنظر إلى أيّ فكرة عن "حل إنساني" على الأراضي المصرية في القاهرة على أنّها تهديد استراتيجي: إذ يُمكن أن تُحوّل سيناء إلى منطقة أمنية متفجرة، وتُلحق الضرر بالسيادة المصرية، وتُنهي القضية الفلسطينية فعليًا على حساب مصر.
ومن هنا أيضًا- وكما يذكر التقرير- تنشأ العلاقة المعقدة مع حماس.لا ترغب مصر في وجود حماس كحكومة مسلحة مستقلة في غزة. فبالنسبة للسيسي، تُعدّ حماس فرعًا من جماعة الإخوان المسلمين، أي جزءًا من التهديد الأيديولوجي والأمني الذي بُني عليه النظام المصري بعد عام 2013. لكن مصر تدرك أيضاً أنه من المستحيل إدارة غزة دون الحوار مع حماس.
وفيما يشير التقرير إلى حماس بوصفها مشكلة، لكنه ينظر إليها في الوقت نفسه على أنها تُمثّل وجهةً مهمة: لوقف إطلاق النار، وصفقات الرهائن، ومعبر رفح، والمساعدات الإنسانية، وأمن الحدود. لذا، فإن السياسة المصرية لا تهدف بالضرورة إلى القضاء الفوري على حماس، بل إلى تقليص دورها من دولة ذات سيادة إلى لاعب مُقيّد ضمن إطار فلسطيني أوسع.
وبالمثل، وبحسب ما يوضح التحليل، فإن مصر ليست في عجلة من أمرها للمغامرة بالسلطة الفلسطينية بشكلها الحالي. تُوفّر السلطة شرعية دولية مُلائمة، لكنها في نظر القاهرة ضعيفة، وقديمة، ومُتصارعة، وليست بالضرورة قادرة على إدارة غزة.
لذلك، قال إن مصر تبحث عن صيغة وسطية: ليست حماس كاملة، وليست سلطة جوفاء، بل ترتيب فلسطيني-عربي تُسيطر فيه السلطات على الأمن، ويأتي التمويل من الخليج، وتبقى بوابة غزة في يد القاهرة.
وذكر أن هذه محاولة للحفاظ على دور مصر كحارس لبوابة غزة، في وقتٍ تُحاول فيه جهات فاعلة أخرى - إسرائيل، والإمارات، وقطر، والولايات المتحدة، والسلطة الفلسطينية - التأثير على الوضع الراهن.
علاقة مصر بـ محمد دحلان
وفي هذا الإطار، سلط التقرير الضوء على محمد دحلان. الذي لا تكمن أهميته فقط في كونه "رجلاً إماراتيًا"، بل يمتلك ثلاث مزايا تهم مصر: فهو من غزة، وخبير أمني، ومعارض لكل من عباس وحماس. سبق له أن ترأس الجهاز الأمني لحركة فتح في غزة، وهو على دراية بالعشائر وهياكل السلطة والخطاب الأمني السائد في القطاع. من وجهة نظر مصر، وهذا يجعله شخصًا قادرًا على التواصل مع أعضاء فتح، وأجزاء من غزة، والأجهزة الأمنية العربية.
ولا تقتصر علاقة دحلان بمصر على أبو ظبي فحسب، فقد ظهر بالفعل في وسائل الإعلام المصرية بطريقة اعتبرها المعلقون تعبيرًا عن دعم سياسي من القاهرة، وفي مقابلة على قناة مصرية، صرّح بنفسه بأنه زار مصر سابقًا في إطار "خدمات" معينة طلبتها منه القاهرة. وفي السياق نفسه، وردت تقارير عن مبادرة "الرباعية العربية" للمصالحة بينه وبين عباس، والتي تهدف إلى توحيد فتح، وتوحيد الساحة الفلسطينية، والتوجه نحو الانتخابات، بالإضافة إلى إعادة إعمار غزة.
لذا، من وجهة نظر مصر، لا يُعدّ دحلان بالضرورة "الزعيم القادم لغزة"، بل أداة محتملة لتسوية الأمور: فلسطيني معترف به في غزة، معادٍ لحماس لكنه قادر على التوصل إلى تفاهمات معها، مرتبط بالإمارات ومعترف به أيضًا من قبل النظام المصري، وقادر على تحدي عباس دون أن يبدو كطرف أجنبي تمامًا، كما يذكر التقرير.
وشدد التحليل على أن هذه تمثل ورقة رابحة مصرية-إماراتية: الإمارات تجلب المال والنفوذ؛ ومصر تجلب الحدود، والمعلومات الاستخباراتية، ومعبر رفح، والشرعية الأمنية. بمساعدة دحلان، لا تسعى مصر فقط إلى حل فلسطيني، بل تحاول أيضاً ضمان ألا تُبنى التسوية الفلسطينية القادمة فوق مصالحها.
النقل الاقتصادي
ولا تقل برأيه أهمية ركيزة النقل الاقتصادي، فهي تعكس مخاوف مصر الأوسع نطاقًا: أن تجد المنطقة طرقًا بديلة خاصة بها. تُعد قناة السويس مصدرًا للدخل، ومصدرًا للمكانة أيضًا. عندما يهتز البحر الأحمر، وتتجنب شركات الشحن قناة السويس، وتُخطط ممرات برية وبحرية جديدة بين الخليج وإسرائيل وأوروبا، تُدرك مصر أن الموقع الجغرافي لم يعد ضمانًا كافيًا للنفوذ. عليها أن تُناضل للبقاء جزءًا من خريطة التجارة الجديدة.
ورأى أن الحرب مع إيران تُجسد مدى هشاشتها، فقد تضررت مصر من ارتفاع أسعار الطاقة، وتراجع الصادرات، ومخاطر السياحة، وانخفاض حركة الملاحة في قناة السويس، وهروب رؤوس الأموال على المدى القصير. وغادر مصر نحو 10 مليارات دولار منذ بداية الحرب؛ وتُزود إسرائيل مصر بنحو 15-20% من احتياجاتها من الغاز الطبيعي؛ كما أدى إغلاق حقل ليفياثان، إثر مخاوف من هجوم إيراني، إلى توقف الإمدادات إلى مصر مؤقتًا. وهذا يعني أن مصر لا تكتفي بمراقبة ما يحدث على حدودها فحسب، بل تراقب أيضًا أي صدمات في البحر الأحمر والخليج وإسرائيل وممرات الطاقة.
وقد تضررت قناة السويس أيضًا. فعلى الرغم من أن عائدات القناة بدأت بالتعافي مطلع عام 2026، إلا أن حجم حركة الملاحة انخفض في الأيام الأولى للحرب بسبب المخاطر الأمنية وارتفاع أقساط التأمين، ويعود ذلك جزئيًا إلى المخاوف بشأن نشاط الحوثيين. وفي الوقت نفسه، انخفضت صادرات مصر المعلنة بنسبة 77% في الأيام الأولى للحرب، وسجلت السعودية والإمارات انخفاضات بنسبة 83% و90% على التوالي.هذه أرقام توضح مدى اعتماد مصر على الاستقرار الإقليمي، حتى عندما لا تشارك بشكل مباشر في الحرب، وفق التقرير.
لذا، خلص التحليل إلى أنه بالنسبة للقاهرة، لا تُمثل غزة وإيران وقناة السويس ثلاث قضايا منفصلة، بل ترتبط جميعها بسؤال واحد: هل لا تزال مصر بوابة المنطقة، أم أن المنطقة تُعاد بناؤها فوقها؟، ويجيب على ذلك بأنه لا تزال مصر مهمة، لكن أهميتها لم تعد مضمونة. ولهذا السبب تُصرّ على أن تكون جزءًا من أي اتفاق في غزة، وأي اتفاق في البحر الأحمر، وأي بنية نقل جديدة بين آسيا والخليج وإسرائيل وأوروبا.
https://news.walla.co.il/item/3838204

